حميد بن أحمد المحلي

54

الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية

قال : ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة ، فقلت : غلبه النوم بطول السهر ، أوقظه لصلاة الفجر فأتيته ، فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحركته فلم يتحرك ، فزويته فلم ينزو ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، مات والله علي بن أبي طالب ، قال : فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة عليها السلام : يا أبا الدرداء هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله ، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ، فنظر إليّ وأنا أبكي ، فقال : ما بكاؤك ؟ فقلت : مما أراه تنزله بنفسك ، فقال : يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني وقد دعيت إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعقاب « 1 » ، واحتوشتني ملائكة غلاظ ، وزبانية أفظاظ ، فوقفت بين يدي الملك الجبار قد أسلمني الأحباء ، ورحمني أهل الدنيا ، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية ! قال أبو الدرداء : ما رأيت أحدا من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مثل ذلك . وروينا عن محمد بن السائب عن أبي صالح قال : دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية ، فقال له : صف لي عليا ، فقال : أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا أعفيك ، قال : إذ لا بد ، فإنه كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه « 2 » ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، وكان والله غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفيه ، ويحاسب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن . كان والله كأحدنا يدنينا إذا آذناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع قربه منا لا نكلمه هيبة منه ، وإن تبسّم فمثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد بالله

--> ( 1 ) في ( ج ) بالعذاب . ( 2 ) في ( ب ، ج ) : نواجذه .